شظايا الهوية: النوع الاجتماعي في فضاءات الصدمة الجماعية ما بعد الصراع

تم النشر في: Feb 12, 2026

شظايا الهوية: النوع الاجتماعي في فضاءات الصدمة الجماعية ما بعد الصراع
شظايا الهوية: النوع الاجتماعي في فضاءات الصدمة الجماعية ما بعد الصراع

 

شظايا الهوية: النوع الاجتماعي في فضاءات الصدمة الجماعية ما بعد الصراع

(قراءات في الصدمات الجماعية وتكريس العنف تجاه النساء)

في غمار الحروب، تسكت المدافع في لحظة ما، ويعلن الطرفان النصر أو الهزيمة، لكن المعركة الحقيقية لا تنتهي بتوقيع المعاهدات؛ بل تتسلل بصمتٍ إلى الغرف المغلقة. هنا يتحول "المنزل" من ملاذٍ آمن إلى مساحة تظهر فيها ارتدادات التاريخ وتصدعات الهوية الشخصية والجمعية، في عملية تأثير متبادلة تنتقل من البيت إلى المجتمع وبالعكس.

ولفهم جذور هذا التحول، يوضح المحلل النفسي (فاميك فولكان) أن المجتمعات التي تجرعت مرارة الخسارة أو التهديد الوجودي لا تتعافى بسهولة، بل تتمسك بما يسميه (الصدمات المختارة)، وهي تلك الجروح التاريخية التي لم تندمل، فتنتقل عبر الأجيال كجزء من المكون النفسي. 

في هذا (الزمن المنهار)، يصبح الحفاظ على ثبات الهوية هاجساً وجودياً، ويبحث الإنسان المصدوم عن آليات لتفريغ شحنات العجز والقلق الناتجة عن تزلزل عالمه القديم.

كيف تنتقل الأزمة من الفرد إلى الدّور المعمّم؟ 

من منظور النوع الاجتماعي، يبدو أن هذا العبء النفسي لا يبقى معلقاً في الفراغ، بل يبحث عن مسار للتفريغ، وهنا تأتي أهمية التمهيد بفهم (أزمة الأدوار الاجتماعية). فوفقاً لمنظور الأدوار الاجتماعية المتأزمة وما يعرف بـ (الذكورية العسكرية)، فإنّ الفرد الذي اعتاد لغة الحماية أو القوة المطلقة خلال النزاع، يجد نفسه فجأةً أمام (فراغ في الدور) بعد العودة؛ إذ قد يفقد مكانته التقليدية أو قدرته على الإعالة والسيطرة.

فهذا (الارتباك في الهوية الذاتية) يدفعه لمحاولة استعادة الشعور بالسيطرة في المجال الوحيد المتاح أمامه، وهو المحيط الأسري. وبهذا، لا يعود السلوك الانفعالي مجرد فعل عدواني عابر، بل يتحول إلى (آلية تكيف غير صحية)، وترميم قسري لصورة الذات التي هشمتها ظروف الحرب القاسية.

أما عن تمثيل المرأة كرمز للهوية فهو يحمل الكثير من العبء، حيث ينتقل الضغط من المستوى الفردي للرجل ليصطدم بالمرأة، ليس كشريكة فحسب، بل كرمز ثقافي واجتماعي. حيث تشير دراسات الهوية والحدود الثقافية إلى أنه في المجتمعات المأزومة، يُنظر للمرأة (كممثل للنوع الاجتماعي الأكثر تأثراً بالتحولات) بوصفها (حارسة للقيم) ومركزاً لاستقرار الأسرة. وحين تشعر الجماعة بتهديد هويتها الكبرى، يزداد الضغط المجتمعي لفرض معايير صارمة على أدوار النساء، لضمان ما يُخيل أنه (ثبات للمجتمع)، وهو ما يفسَّر بكونه دفاعاً نفسياً جمعياً عن آخر معاقل الاستقرار التقليدي.

وفي النهاية، إنّ فهم هذه الديناميكية المتشابكة يوضح أن (الأسرة) هي الحلقة التي تتحمل التبعات النفسية للصراعات الكبرى، وتجد النساء أنفسهن يحملن العبء الأكبر للتعافي النفسي للمجتمع، مواجهاتٍ انعكاسات هويات جريحة تحاول التماسك عبر ممارسة سلطة تعويضية في الداخل، لذلك فإنّ المجتمع المعرض لصدمات جماعية يمارس أعراضه على كل أجزائه ولكن بشكل أساسي على نساء هذا المجتمع.

لذا، فإن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد وقف القتال، بل يبدأ بتفكيك هذه (الألغام النفسية) الموروثة، ومعالجة أزمات الهوية لدى الأفراد، وإدراك مدى تأثيرها على المرأة، سواء في الدور الأسري أو الأدوار الاجتماعية الأخرى التي تشغلها. وغير ذلك قد لا يوجد أي ضمانات بوضع آمن ومستقر ابتداءً من الأسرة حتى المجتمع ككل.

المصادر:

1. الدراسات النفسية للجماعات الكبيرة والصدمات الجماعية:

Volkan, V. D. (2008). Large-group identity, international relations and psychoanalysis. (مفاهيم "الصدمة المختارة" و "انهيار الزمن" ونقل الصدمات عبر الأجيال).

Volkan, V. D. (2004). Blind Trust: Large Groups and Their Leaders in Times of Crises and Terror. Charlottesville, VA: Pitchstone Publishing.

2. دراسات النوع الاجتماعي والذكورية العسكرية وأزمة الدور:

Theidon, K. (2012). Intimate Enemies: Violence and Reconciliation in Peru. University of Pennsylvania Press. (تحول العنف من الميدان إلى المنزل وعسكرة الحياة اليومية).

3. دراسات الهوية والحدود الثقافية (المرأة كرمز للهوية):

Yuval-Davis, N. (1997). Gender & Nation. SAGE Publications. (دور المرأة كحارسة لحدود الجماعة وهويتها في أوقات الصراع).

4. دراسات التحول ما بعد الصراع ورد الفعل الاجتماعي:

Meintjes, S., Turshen, M., & Pillay, A. (2001). The Aftermath: Women in Post-Conflict Transformation. Zed Books. (ظاهرة "رد الفعل العنيف" والرغبة في استعادة النماذج التقليدية بعد الحرب).

الكاتبة: سمر أيوب.

 

🔴ملاحظة: 

نُشر هذا المقال في إطار مشروع "مسيرة يحيى شربجي" التي أعلنت عنها صفحة سُلّم. لمعرفة شروط وكيفية المشاركة، يمكن العودة إلى الإعلان المثبّت في التعليقات.

 

× Full-Screen Image